قصة الآلاف من المنازل ...
عبدالحى عطوان يكتب : الرجل الذي مات واقفًا
لم يوقظه صوت المنبه ذلك الصباح، بل أيقظه الزمن.
فتح عينيه ببطء، ومد يده إلى رأسه، فتوقفت أصابعه بين خصلاتٍ لم تعد سوداء كما كانت. كان الشيب قد احتل مفرقه في هدوء، نهض إلى المرآة، فرأى وجهًا يعرفه ولا يعرفه؛ وجه رجلٍ تجاوز منتصف العمر، بينما كان قلبه ما يزال يبحث عن ذلك الشاب الذي ضاع في زحام السنين.
خرج من غرفته، فاستقبله صمتٌ ثقيل، وجدران باردة رغم أن البيت كان مليئًا بالبشر.
نظر إلى زوجته، فلم يجد تلك الفتاة التي كانت يومًا تشبه صباحات الربيع. أين اختفت العينان العسليتان اللتان كانتا تضيئان عتمته؟ أين الضحكة التي كانت تجعل الحياة أخف من نسمة؟ وأين ذلك الشعر الذي كان ينسدل على كتفيها كليلٍ هادئ؟
لم تختفِ ملامحها وحدها، بل اختفت المرأة التي أحبها.
صارت الكلمات بينهما خشنة، والنظرات باردة، والصوت مرتفعًا حتى كادت جدران المنزل تحفظ تفاصيل خلافاتهما أكثر مما تحفظ ضحكات أبنائهما.
لم يكن ملاكًا، وكان يعرف أنه أخطأ كثيرًا. لكن خطيئته الكبرى كانت أنه ظن أن الحب وحده يكفي لبناء بيت، وأن توفير لقمة العيش يكفي ليبقى الدفء ساكنًا في القلوب.
كان يعود كل مساء منهكًا، يحمل فوق كتفيه أعباء العمل وهموم الأيام، بينما يحمل في قلبه أمنية صغيرة؛ أن يجد كلمة حانية، أو فنجان شاي بصمت، أو ابتسامة تقول له: "بعض العبارات الدافئة ليغسل بها هموم يومه.
لكن الباب كان يُفتح على ضجيج، والحديث يبدأ بالعتاب وينتهي بصراخها الذى يشق جدران الجيران
كبر ولداه أمام عينيه.
الأكبر كان يشبهه؛ هادئًا، عاقلًا، يتحمل المسؤولية ويحاول دائمًا أن يجمع ما تفرقه الخلافات. أما الأصغر، فكان يشبه أمه في اندفاعه، يرفع صوته قبل أن يسمع، ويغضب قبل أن يفهم.كان دائم الاسقاط على من أمامه بتذاكى فى عباراته حتى لو لم يكن على صواب .كان داخله دائما بركان ثأئر دون وعى .
وفي كل مرة كانت الأصوات تعلو، كان يشعر أن شيئًا داخله ينكسر... شيئًا لا يسمعه أحد.
شيئًا فشيئًا، فقد البيت معناه. لم يعد بيتًا، بل صار محطةً يعود إليها آخر الليل، يخلع عند بابها إرهاقه، ثم يدخل غرفته المظلمة، ويتمدد فوق سريره، محدقًا في السقف، كأنما ينتظر منه إجابة لسؤالٍ ظل يطارده سنوات طويلة.
أين أخطأت؟
هل أخطأ حين أفنى عمره في العمل ليؤمن لهم حياة كريمة؟ أم حين صمت طويلًا حتى اعتاد الجميع صمته؟ أم حين سامح أكثر مما ينبغي، فظنوا أن قلبه لا يتألم؟
وقف ذات ليلة أمام النافذة، بينما كان الليل يبتلع آخر خيوط الضوء، وشعر أن الغرفة تضيق عليه، وأن صدره امتلأ بأسئلة لا يملك لها جوابًا.
ولأول مرة... لم يكن غاضبًا منها.
كان غاضبًا من الزمن.
استعاد السنوات واحدةً تلو الأخرى، فاكتشف أنه ربما أخطأ حين ظن أن توفير المال يغني عن الاحتواء، وأن ساعات العمل الطويلة تعفيه من الجلوس إليها والاستماع لما يثقل قلبها. وربما أخطأت هي حين جعلت من القسوة لغة، ومن الصراخ وسيلة، حتى ضاع الحب بينهما دون أن يشعر أحد.
لم يكن أحدهما بريئًا تمامًا...
ولم يكن أحدهما مذنبًا تمامًا.
كانت الحياة، بقسوتها، تنتزع كل يوم شيئًا من روحيهما، حتى تحولا إلى رجل وامرأة يعيشان تحت سقف واحد، بينما يقف كل منهما على جزيرة بعيدة لا يسمع فيها صوت الآخر. بل حولت بعنادها الدقائق التى تجمعهما إلى صراع من ينتصر فيها
تسللت إلى قلبه فكرة الرحيل.
قال في نفسه: لعل الغياب يريح الجميع... ولعلهم يدركون قيمة وجودي حين لا يجدونني بينهم.
لكن صوتًا خافتًا خرج من أعماقه يسأله:
وهل ستستريح أنت؟
أيمكن لرجل أن يغادر بيتًا دفن بين جدرانه شبابه، وربّى فيه أبناءه، وسقى أيامه من عرقه وتعبه، ثم يمضي وكأن شيئًا لم يكن؟
شعر بوخزة ندم.
ندم لأنه صمت كثيرًا، وندم لأنه احتمل أكثر مما يجب، وندم لأنه لم يقل يومًا إنه متعب، ولم يطلب أن يستريح حين كان قلبه يرتجف من الوحدة.
ولأول مرة، اعترف لنفسه أن الإنسان لا يهزمه خصومه دائمًا... أحيانًا يهزمه صمته، وتكسره الأيام التي يظن أنه قادر على احتمالها.
لم يعد يعرف أي القرارين أصعب...
أن يرحل، فيعيش ما بقي من عمره أسير الذكريات.
أم يبقى، فيموت داخله كل يوم بصمت.
ومع انبلاج أول خيط للفجر، ظل واقفًا أمام النافذة، لا يحمل حقيبة سفر، ولا يحمل قرارًا.
كان يحمل قلبًا أنهكته الخيبات، بعد أن غزا الشيب رأسه، فأدرك أن الزمن لا يسرق الشباب وحده، بل قد يسرق الكلمات الجميلة، والدفء، والدهشة، ويترك بين الزوجين غربةً صامتة، حتى يظن كلٌ منهما أن الآخر هو السبب،
وانحدرت دمعة هادئة على وجنته...
لا لأنها أعلنت الهزيمة...
بل لأنها كانت رثاءً لعمرٍ كاملٍ، ضحّى كثيرًا، ولم يتعلم إلا متأخرًا أن الحياة لا تغير الوجوه فقط بل قد تميت المشاعر والقلوب
وتساءل بلا إجابات . أين ذهبت؟ وكيف تبدلت؟ وماذا جنى من رحلته غير وجع لا ينتهى ؟