...
عبدالحى عطوان يكتب : ليلة دامية بالعوامية ..مقتل شحبير ونجليه
لم تكن تلك الليلة كمثل الليالى التى مرت على تلك القرية، القابعة بالقرب من الجبل الشرقى لمركز ساقلتة، فقد يتوقف التاريخ طويلاً على رواية أحداثها التى لم يصدقها عقل أن كتبت من خلال مسلسل درامى.لكنها الحقيقة الصادمة، فعلى صفحة النيل التي غادرتها السكينة، كان الصمت أثقل من محرك اللانش وهو يشق الماء. لم يكن النهر في تلك الساعة يجري؛ بل كان ممتداً كجثة زرقاء باردة، يحبس أنفاسه ترقباً لمأساة لم تطأ أرض الخيال من قبل.
على متن اللانش، كان الأب يحاكى طفليه، يمسح على رأسيهما بأصابع مرتجفة تحاول تصنيع الطمأنينة يفكر فى خلافاته مع شقيقه ، بينما عيناه مصوبتان على لانش قادم ولا يدرك أنه يحمل له اكفاناولنجليه. لم يكن القادم غريباً، بل كان الشقيق الذي تقاسم معه يوماً المهد والخبز والملامح، قبل أن تأكل الخلافات ما تبقى من وشائج الدم.
توقفت المسافات، ولم يعد يفصل بين الشقيقين سوى أمتار قليلة تطفو فوق بحيرة من التوجس. فجأة، انكسر السكون البري؛ ارتفعت الفوهة الباردة، ولمع الحديد في وجه الظلام .
في تلك اللحظة الخاطفة، لم يفكر الأب بحياته، بل ارتمى بصدره يحجب طفليه اللذين تشبثا بثوبه كعصفورين يرتجفان تحت المطر، بعيون شاخصة لا تفهم من الموت سوى أنه يرتدي وجه عمهما. خرج صوته متهدجاً، يقطر بمرارة تذيب الصخر. إن كان قد بقي في قلبك موضع لذكرى، فاقتلني أنا... اسفك دمي إن شئت، لكن دع هذين الغلامين يعيشان. ما ذنبهما ليدفعا ثمن عداوتنا؟"
حدّق الصغيران في وجه العم، ينتظران معجزة... أن تلين الملامح الكافرة بالرحمة، أن تنخفض الفوهة، أو تنبت في عينيه نظرة من ذلك الماضي البعيد. لكن الوجه المقابل كان قد تحجر، وأكل الغلُ كل تفاصيله الآدمية.
لم يتأخر الرد... بل جاء مدوياً.
انطلقت الرصاصة الأولى صوب جسد الشقيق، فتفجّرت الدماء الحمراء لتلوّث طهر الماء، وبدأت الرصاصات المتتالية تخترق جسد نجليه بلا رحمة. صرخات الأطفال خنقها الرصاص قبل أن تكتمل.
ومع تعاقب الطلقات، اهتزت صفحة النيل رعباً، وصرخت طيور الماء هاربة من بشاعة المشهد. وفي غمرة الفوضى والدم، اندفع لانش الشقيق القاتل ليصطدم بقوة بلانش الجثث الثلاث، فاختل توازن اللانش الخشبي تماماً، وانقلب في جوف النهر، لتبتلع المياه الأب الصريع وطفليه.
وخلال دقائق معدودة، تسرب الخبر الفاجع إلى القرية التى خرجت عن بكرة أبيها، لترتفع صرخات النساء والرجال مدوية، تمزق سكون الأفق؛ إذ لم يستوعب أحد أو يصدق تلك الواقعة في روايتها الأولى. لكن النهر لم يترك مجالاً للشك، فقد كان اللون الأحمر القاني يموج مع التيار، يتدفق شاهداً ويحكي للعيون المذهولة عن أبشع جريمة عرفتها الضفاف.
هرعت قوات الأمن وسيارات الإسعاف، ووصلت فرق الضفادع البشرية التي غاصت في أعماق المياه المظلمة، تبحث بنشاط مضنٍ عن جثة الأب ونجليه. وبينما كان الجموع يحتشدون على الضفاف في ترقب واجف وعيون شاخصة، كان النيل برمتّه يروي بشاعة المشهد؛ يعيد صياغة تلك اللحظة القاسية التي تواجه فيها الشقيقان، وكيف تحول الدم إلى ماء، والرحم إلى رصاص، مغلقاً الستار على عائلة كاملة أُبيدت لمجرد خلافات عائلية.
بأختصار ..هذة ليست قصة من نسج الكاتب بل مأساة مروعة حدثت بليلة الامس بقرية العوامية مركز ساقلته حيث تجسد صرخة مدوية تشق صمت الضفاف، لتضعنا جميعاً أمام حقيقة مؤلمة: إن العنف لا يُورث إلا الخراب، والخصومات الثأرية التي تُغذى بلحظات الغضب الأعمى لا تترك خلفها منتصراً، بل تجعل الجميع خاسرين.
والخلاصة ..لقد حان الوقت لتستيقظ العقول، وأن تُدفن هذه الخصومات في مهدها بالحكمة والتحكيم العاقل، فالدم لا يغسله الدم، بل يزيده قتامة. إن السير في طريق الانتقام لا يقود في نهايته سوى إلى ظلمات السجون، وضياع المستقبل، وتبديد زهرة العمر خلف القضبان، ناهيك عن تشتت العائلات ويتم الأطفال.
وفى النهاية ..هذه الظواهر الدخيلة على قيمنا وديننا لا بد أن تختفي من صعيد مصر؛ ذلك الصعيد الذي طالما كان رمزاً للشهامة، والمروءة، والحكمة. إن مواجهة هذه الأحداث لا تقتصر على إنفاذ القانون فحسب، بل تتطلب وقفة حاسمة من المجتمع، والمؤسسات الدينية، والقيادات الامنية والتنفيذية ، لإعلاء صوت العقل والقانون فوق أي اعتبار، ولنصنع مستقبلا يحمي الأجيال القادمة من مقصلة السلاح، حتى يظل النيل شرياناً للحياة، لا مجرى للدم والدموع.
شارك برأيك بفكرة لإيقاف نزيف الدم ؟