حينما كتب الأديب طه حسين كلماته التي مضى عليها أكثر من ثمانين عاماً عن محاربة الجهل والفقر والمرض، لم يكن يدرك أن الحياة تسير وفقاً لنواميسها المعتادة؛ اللحظات تمر ببطء، الشمس تشرق وتغيب، والزمن يعبر يوماً بعد يوم في متاهات لا تنتهي أبداً. إنه انتظار يسلمنا لانتظار آخر،
حتى توقفنا تماماً عن عد الأيام والسنين.
كانت أقدامي صباح هذا اليوم كأنها على موعد مع القدر. كنت أشعر في داخلي بمضي سنوات العمر بثقلها، فحاولت أن أستيقظ من فوق تلك الأريكة القابعة أمام الشاشة التي أصبحت عيناي لا تفارقها، بحثاً عن أي خبر يزيح لحظات الكآبة التي تسربت إلى نفسي.
أخذتني قدماي ببطء حتى فتحت خزانة ملابسي، وانتقيت منها ثياباً أنيقة، في محاولة بائسة لهزيمة الهرم الداخلي، والانتصار على خريف العمر الذي يقرع الأبواب.
خرجت إلى ذلك المقهى الكائن خلف المبنى الحيوي بالمدينة، حيث الشارع المزدحم بالمارة يبتلع أفكارك لتتوه بين وجوه الناس. هناك، حيث يتجمع الأصدقاء؛ نتسامر، نتجادل، نأكل، ونحاول بشتى الطرق أن ننسى همومنا ومشاكلنا. وأحياناً، أجدني أنطوي مع نفسي خلف الشاشة الصغيرة التي أصبحت لا تفارق يدي، فبين الوقت والوقت تحاول شحن أفكارك حتى لا تستسلم للغواية، فتستضيف خيالك وترمم ما انكسر من مرآة الحكاية... بحثاً عن حكاية جديدة.
وفيما أنا سارح في قاع أفكاري، اخترق صمتي رنين الهاتف؛ ذلك الهتاف الذي أصبح مزعجاً حتى تمنيت الخلاص منه. ضغطت على زر الإجابة، وقبل أن أنطق بكلمة الترحيب، باغتني صوت المتحدث متدفقاً بلهفة وانكسار، صوتٌ كأن صاحبه في الخمسين من عمره، يختزل في نبرته حيرة جيل بأسره.
قال بنبرة مستجدية: "هل تستطيع أن تساعدني؟"
ولم ينتظر مني ردّاً، بل استطرد قائلاً وكأنه يفرغ شحنة من الألم حُبست في صدره طويلاً: "لقد أكملت تعليمي الجامعي.. أنا من أسرة متوسطة الحال، طرقت كل الأبواب حتى تآكلت أحلامي على عتبات الوعود. أقف اليوم في خريف العمر، بلا أرض صلبة أرتكز عليها، ولا أفق واضح لمستقبلى. خرجت من الجامعة حاملاً شهادتي كسلاح في معركة، لأكتشف أن المعركة تغيرت أدواتها، وأن طابور الانتظار طويل..".
وقعت كلماته في نفسي وقوع المطر على أرض قاحلة، فها هو ذا يعيدني بروايتها إلى المربع الأول؛ إلى ثلاثية طه حسين التي ظننا أننا عبرناها، فإذا بنا نجدها قد تلونت بألوان العصر، ليبقى الجهل والفقر والمرض، ومعهم "العجز"، يدورون في ذات الساقية التي لا تتوقف عن الدوران.
صمتُّ للحظات، وكلمات الخمسينى تنبش في ذاكرتي جرحاً ظننته اندمل، لكنه كان غائراً ينزف في الخفاء. لم يكن هذا الرجل إلا صدىً لصوتٍ أعرفه جيداً، يتردد كثيرا على مسمعنا وتتنامى لى أخباره بنفس تفاصيلها على المقاهى وبين دواوين المصالح ،صوت غيبته المنافي، وطحنته الغربة في رحى الأيام.
كأنه أراه امامى غادر أرض الوطن قبل سنوات طويلة، مدفوعاً بفقرٍ نهش أحلامه،واسره عاهدها على الوفاء، وطفلٍ صغير كان يرى في عينيه الغد المشرق. سافر وفي حقيبته "تحويشة" من الأمل، ووعود بقطع الصخر من أجل أن يبني لهم قصراً من الأمان، يحميهم من غدر الزمان وثلاثية البؤس التي سطرها طه حسين.
عاش هناك في صقيع الغربة وهجيرها، غريباً بين الوجوه، يقتطع من لحمه الحي، ويكتم في صدره لوعته واشتياقه، تمر من أمامه السنوات كقطار مسرع، وشبابه يذوب في أرقام الحسابات البنكية التي يرسلها أولاً بأول إلى زوجته، حارسة الحلم. كان يعيش على الكفاف، يرتدي ثياباً بالية، ليرسل لهم رغد العيش، مصدقاً أن كل قرش يدخره هو لبنة في جدار مستقبل ابنه.
وبعد عقدٍ من الزمان والترحال، شابت فيه اللحية وانحنى الظهر، قرر أن يضع حداً للمنفى. حزم حقائبه، لا يحمل فيها سوى الهدايا وشوق جارف يضاهي ثقل السنين. كان قلبه يخفق بعنف وهو يطأ أرض المطار، يرى في نهاية النفق الطويل حضن زوجته التي انتظرته، وابتسامة ابنه الذى تخطى المرحلة الإعدادية فقد كان يتابع عبر الخطابات المرسله ،
لكنه حين وصل.. لم يجد أحداً في انتظاره.
خطا نحو بيته، فاستقبلته الجدران ببرود مريب. طرق الباب، فانفتح على صدمة زلزلت أركان وجوده، وأحالت خريف عمره إلى شتاء سرمدي لا دفء فيه.
لقد تلاشت الحكاية بأكملها. الزوجة التي أودعها روحه وأمواله، وقّعت على صك الخلع مع غيابه؛ لم تكتفِ بذلك، بل جردته من كل شيء. أخذت "تحويشة العمر"، المدخرات، العقود، والأرض، ولم تترك له سوى الخواء. وتزوجت بآخر
.
وفى لحظات التيه وجد نفسه فجأة غريباً في وطنه بعد أن كان غريباً في منفاه، وقد انكسرت منه مرآة الحكاية بالكامل، وتناثرت شظاياها لتجرح ما تبقى من روحه.
تنهدتُ بعمق، وأنا ما زلت ممسكاً بالهاتف، وصوت الرجل على الطرف الآخر ينتظر مني جواباً. نظرتُ إلى الشارع المزدحم، وإلى الشاشة الصغيرة في يدي، وشعرت أن الخديعة ليست في قلة الفرص فحسب، بل فى ميزان العدالة ،فأحياناً نركض وراء سراب، لنكتشف في نهاية المطاف أن النواميس التي تحكم هذا العالم قد تدوس على أطهر المشاعر، وتتركنا واقفين في العراء، بلا ماضٍ نرتكز عليه، ولا حاضرٍ يأوي انكسارنا.
وفى النهاية ...يبقي السؤال الذى يطرح داخله الف سؤال من المسئول ثلاثية طه حسين ( الفقر والجهل والمرض ) ام الزوج وغربته ام الزوجة