قضية بدأت باتصال هاتفي يبدو عاديًا، وانتهت بجريمة هزت الرأي العام، بعدما تحولت عيادة طبية إلى مسرح لجريمة قتل وإخفاء جثمان طبيب داخل حفرة أُعدت مسبقًا لهذا الغرض. وبعد سنوات من التحقيقات والمحاكمات، أُسدل الستار على القضية بتنفيذ حكم الإعدام بحق الطبيب أحمد شحتة ومساعده أحمد فرج.
لم تكن بداية الواقعة توحي بما ستؤول إليه الأمور.
مكالمة هاتفية، وموعد للكشف، وطبيب يذهب إلى المكان ظنًا منه أنه أمام حالة مرضية تحتاج إلى تدخله، لكنه لم يكن يعلم أن الاتصال الذي تلقاه كان جزءًا من مخطط انتهى بمقتله ودفن جثمانه داخل عيادته.
إنها القضية المعروفة إعلاميًا باسم «طبيب الساحل»، وهي واحدة من القضايا التي أثارت اهتمامًا واسعًا بسبب تفاصيلها الصادمة، بعدما كشفت التحقيقات عن مخطط استدراج واحتجاز وتعذيب انتهى بمقتل الطبيب أسامة صبور ومحاولة إخفاء جثمانه داخل عيادة بمنطقة الساحل.
البداية.. مكالمة استدراج
وفقًا لما ورد في التحقيقات وأوراق القضية، بدأت الخطة باستدراج الطبيب أسامة صبور إلى وحدة سكنية، بعدما تلقى اتصالًا هاتفيًا من المتهمة الثالثة، أوهمته خلاله بوجود حالة تستدعي الكشف الطبي.
وصل الطبيب إلى المكان، لكنه لم يجد مريضًا ينتظره.
كان في انتظاره مخطط آخر.
وبحسب ما أثبتته أوراق القضية، اعتدى المتهمان عليه، واستخدما وسائل للسيطرة عليه، من بينها مواد مخدرة وصاعق كهربائي، قبل نقله وهو فاقد الوعي إلى عيادة بمنطقة الساحل.
وهنا بدأت المرحلة الأكثر قسوة في الجريمة.
حفرة تحت العيادة.. قبر أُعد قبل الجريمة
لم تكن الحفرة التي عُثر فيها على جثمان الطبيب وليدة لحظة.
بحسب ما كشفت عنه التحقيقات وحيثيات الأحكام، كان المتهمان قد أعدا حفرة داخل العيادة قبل تنفيذ الجريمة، لتكون مكانًا لإخفاء الضحية وجثمانه بعيدًا عن أعين المحيطين.
وبحسب ما ورد في أوراق القضية، تعرض الطبيب للاحتجاز والاعتداء، وطُلب منه التواصل مع أسرته للحصول على أموال، قبل أن تتدهور حالته الصحية ويفارق الحياة نتيجة ما تعرض له من اعتداء وحقن بمواد مخدرة، وفقًا لما أثبتته التحقيقات والأحكام القضائية.
وبعد الوفاة، جرى إخفاء الجثمان داخل الحفرة، ثم تغطيتها وإجراء أعمال بالمكان في محاولة لإخفاء معالم الجريمة.
لكن ما ظن المتهمون أنه سيظل سرًا، كشفته رائحة لم يستطع المكان إخفاءها.
الرائحة تكشف الجريمة
مرت الأيام، وبدأت الشكوك تحوم حول المكان.
رائحة كريهة تصدر من داخل العيادة كانت الخيط الذي قاد إلى الحقيقة.
ومع فحص المكان، اشتبهت جهات البحث والتحري في وجود شيء مخفي أسفل منطقة شهدت أعمالًا حديثة، لتبدأ أعمال الحفر، وكانت المفاجأة بالعثور على جثمان الطبيب أسامة صبور مدفونًا داخل العيادة.
في تلك اللحظة، تحولت القضية من واقعة اختفاء إلى جريمة قتل كاملة الأركان، وبدأت الأجهزة الأمنية في تتبع خيوط المخطط وصولًا إلى المتهمين.
الأموال والكروت.. ودافع الجريمة
لم تتوقف الاتهامات عند القتل والاحتجاز.
فبحسب ما ورد في التحقيقات وأوراق القضية، ارتبطت الجريمة كذلك بالاستيلاء على متعلقات الضحية وبطاقاته الائتمانية، في إطار مخطط استهدف الحصول على أموال منه ومن أسرته.
وهو ما جعل القضية تحمل تفاصيل متعددة بدأت بالاستدراج، مرورًا بالاحتجاز والتعذيب، وانتهت بالقتل وإخفاء الجثمان.
سنوات أمام القضاء
في نوفمبر 2023، أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكمها بإعدام المتهمين أحمد شحتة وأحمد فرج، ومعاقبة المتهمة الثالثة إيمان صالح بالسجن المشدد لمدة 15 عامًا، في القضية التي تضمنت اتهامات بالقتل والخطف والاحتجاز والسرقة والتعذيب.
وبعد ذلك، وصلت القضية إلى محكمة النقض، التي أيدت في ديسمبر 2025 أحكام الإعدام والسجن المشدد، لتصبح الأحكام نهائية وباتة.
وظلت القضية لسنوات حاضرة في ذاكرة الرأي العام، ليس فقط بسبب بشاعة الجريمة، وإنما بسبب الطريقة التي جرى بها استدراج الطبيب وإخفاء جثمانه داخل المكان الذي كان يفترض أن يكون عيادة للعلاج.
اليوم.. تنفيذ حكم الإعدام
وفي صباح السبت 3 أكتوبر 2026، تم تنفيذ حكم الإعدام شنقًا بحق الطبيب أحمد شحتة ومساعده أحمد فرج، لتنتهي بذلك رحلة قضائية طويلة بدأت بجريمة قتل الطبيب أسامة صبور، واستمرت عبر التحقيقات والمحاكمات ودرجات التقاضي المختلفة.
أما المتهمة الثالثة، فقد أصبح الحكم الصادر بحقها بالسجن المشدد 15 عامًا نهائيًا وباتًا وفق ما أيدته محكمة النقض.
وبحسب ما نقل عن محامي أسرة الطبيب، فقد استقبلت والدة أسامة صبور خبر تنفيذ حكم الإعدام بحق قاتلي نجلها بالسجود لله شكرًا.
النهاية التي بدأت بمكالمة
قضية «طبيب الساحل» لم تكن مجرد جريمة قتل عابرة.
هي قصة بدأت بمكالمة هاتفية، ثم استدراج، فاحتجاز، وتعذيب، ومحاولة للحصول على المال، قبل أن تنتهي بجثمان مخبأ داخل حفرة تحت عيادة.
وبعد أكثر من ثلاث سنوات من وقوع الجريمة، وصلت القضية إلى نهايتها القضائية بالنسبة للمتهمين المحكوم عليهما بالإعدام.
لكن تبقى تفاصيلها واحدة من أكثر الوقائع التي أثارت صدمة الرأي العام، بعدما كشفت كيف يمكن أن تتحول الثقة في شخص قريب أو زميل إلى مدخل لجريمة لا يتوقعها أحد.
وفي النهاية.. تبقى العبرة الأهم أن الثقة لا تعني غياب الحذر، وأن العلاقات الإنسانية مهما بدت قوية، تظل بحاجة إلى حدود تحفظ الخصوصية والأمان، فالقانون هو الفيصل، والعدالة وحدها هي التي تقول الكلمة الأخيرة
