مأساة العوامية بسوهاج: دم على ضفاف النيل.. شقيق ينهي حياة أخيه وأبنائه بسبب "فرع شجرة"
بدموع جفت في العيون من فرط البكاء، وقلب مكسور يملؤه القهر، تقف الزوجة المكلومة "ست أبوها" على شاطئ النيل بقرية العوامية التابعة لمحافظة سوهاج. تشخص بصرها نحو المياه، لا تكاد تصدق الكابوس الذي تعيشه؛ تارة تبكي طفليها اللذين وُوريا الثرى، وتارة أخرى تصرخ ملء صوتها تنادي جثمان زوجها الصياد البسيط "عادل"، الذي ما زال مفقوداً في أعماق النهر، مستنجدة به قائلة: "يا عادل اطلع من المية.. تعال شوف أخوك عمل فينا إيه! أنا ماليش حد غيرك يا جوزي.. اظهر عشان تجيب حق عيالك اللي اندفنوا".
تلك المأساة التي هزت القلوب بدأت بخلاف واهٍ لا قيمة له، صراع على "فرع شجرة" بين شقيقين، لكن الشيطان وجد طريقه إلى قلب الأخ "أحمد"، فملأه بالغل والعمى.
كان الضحية "عادل" رجلاً مسالماً يعيش حاله، صياداً بسيطاً يسعى على قوت يومه بكدّ وطيب خاطر، ليجمع ما بين 50 إلى 100 جنيه يومياً من صيد الأسماك. لم يكن يوماً هاوياً للمشاكل، بل كان يفيض حناناً على أبناء شقيقه، ويقتطع اللقمة من فمه ليطعمهم إياها. غير أن الشقيق ردّ هذا الإحسان بالدم والغدر الخسيس.
تروي الأم والزوجة المفجوعة تفاصيل اللحظات الأخيرة المرعبة التي عاينتها بنفسها قائلة:
"كنت واقفة على النيل وبشوفهم وهم بيتموتوا قدام عنيا.. جوزي وولادي نزلوا المغرب يرموا الشبك عشان أكل عيشهم، وفجأة نزل وراهم أخوه باللانش، وكان ابنه (مناع) هو اللي سايق. وقف الأخ في اللانش هازّاً بندقيته، وأمطرهم بوابل من الرصاص. حاول الأولاد الاحتماء بجسد الفلوكة الخشبية للنفاذ بأرواحهم، لكنه اقترب منهم بدم بارد وأطلق عليهم النار في مقتل."
ومما يزيد الفاجعة مرارة، أن أحد الأبناء الضحايا كان مغترباً وشقياً لمدة ثلاث سنوات خارج قريته بحثاً عن لقمة العيش، ولم يمر على عودته وقضائه الإجازة في أحضان أسرته سوى يومين اثنين؛ وكأن القدر ساقه ليعود ويدفن مع والده وشقيقه في مجزرة عائلية ارتكبتها يد الغدر من أقرب الناس إليهم.
انتهت الرحلة ولم تتبقَّ سوى النظرات الشاخصة نحو النيل، والقلوب التي يعتصرها الألم. رحل الأبناء، وغرق الأب، وبقيت الأم وحيدة على الشاطئ تندب حظها وتبكي سندها الذي غيبه الموت وغدر الأقارب. سيبقى نيل العوامية شاهداً على قصة مأساوية ماتت فيها صلة الرحم، وأعماها الجشع والغل، في انتظار القصاص العادل لينطفئ القليل من نار هذه الأسرة المنكوبة.