بعض الرحيل يشبه انطفاء نافذة مضيئة في عتمة الأيام؛ يغيب أصحابها، لكن دفء حضورهم يظل عالقًا في الوجدان، وتبقى أصواتهم وابتساماتهم ومواقفهم حاضرة كأن الفراق لم يقع بعد.
هكذا يرحل الطيبون، تاركين في القلوب مساحات من الحزن لا تملؤها الكلمات، وفي ذاكرة الزملاء حكايات لا يمحوها الزمن.
بقلوب يعتصرها الحزن والأسى، أنعى الأخ العزيز المحترم الأستاذ حاتم قرامان، مدير تحرير جريدة الأهرام المسائي، الذي غادر عالمنا، تاركًا خلفه سيرة مهنية وإنسانية تستحق الوفاء، وغيابًا موجعًا في محيط زملائه ومحبيه.
لم يكن حاتم قرامان مجرد اسم في سجل الصحافة المصرية، ولا مجرد منصب تحريري في واحدة من مؤسساتها العريقة؛ بل كان ابن مدرسة صحفية تؤمن بأن المهنة مسؤولية، وأن الكلمة أمانة، وأن احترام القارئ يبدأ من احترام الحقيقة، وأن قيمة الصحفي لا تُقاس فقط بما يكتبه، وإنما أيضًا بما يحمله من مبادئ، وما يتركه من أثر في نفوس من عملوا معه.
امتلك مهنية رصينة، وشخصية قوية، وحضورًا لا تخطئه العين في محيطه المهني؛ حضورًا تصنعه الثقة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية، لا ضجيج الكلمات أو استعراض المواقف. وكانت قوة الشخصية، حين تقترن بأخلاق المهنة، عنوانًا للاحترام ومصدرًا للتقدير.
أما إنسانيًا، فتبقى أخلاق الزملاء ومواقفهم أصدق ما يُروى عنهم بعد الرحيل. فالمحبة التي يتركها الإنسان في قلوب الآخرين ليست مجاملة عابرة، وإنما حصيلة سنوات من التعامل والمواقف والذكريات المشتركة. وحين يرحل زميل عزيز، ندرك أن ما جمعنا به لم يكن العمل وحده، بل تفاصيل إنسانية صغيرة تصنع مكانة كبيرة، وتتحول بعد الفراق إلى ذكريات غالية يختلط فيها الوفاء بالدموع.
رحل حاتم قرامان، وبقيت سيرته في ذاكرة من عرفوه، وبقيت مكانته المهنية والإنسانية جزءًا من حكاية جيل من الصحفيين الذين حملوا أمانة المهنة، وعاشوا تفاصيلها بأفراحها وأوجاعها، وعرفوا أن الصحافة، مهما تبدلت أدواتها، ستظل في جوهرها عملًا إنسانيًا يقوم على الضمير والمسؤولية.
اللهم ارحم الأخ العزيز حاتم قرامان رحمة واسعة، واغفر له واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، وآنس وحشته، ونوّر قبره، واجعله روضة من رياض الجنة. اللهم اجزه عن إحسانه إحسانًا، وعن تقصيره عفوًا وغفرانًا، وثقّل بالحسنات ميزانه، وثبّته عند السؤال، واسقه من حوض نبيك محمد صلى الله عليه وسلم شربة هنيئة لا يظمأ بعدها أبدًا، وارزقه الفردوس الأعلى بغير حساب ولا سابقة عذاب.
اللهم اجعل قبره نورًا وسلامًا، واجمعه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. اللهم اربط على قلوب أسرته وأحبائه وزملائه، وأنزل عليهم السكينة والصبر، واجبر كسر قلوبهم، وخفف عنهم مرارة الفراق، واجعل ذكراه الطيبة عزاءً لهم، ودعاءهم له رحمة تصل إليه.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
يتقدم موقع الضحايا الإخباري برئاسة وليد أبو عقيل بخالص التعازي وصادق المواساة إلى الكاتب الصحفي الأستاذ سيد عبد النبي، رئيس التحرير، واللواء حامد سليمان، مدير عام العلاقات العامة والإعلام، وجميع العاملين بالموقع، في وفاة المغفور له بإذن الله الأستاذ حاتم قرامان، مدير تحرير جريدة الأهرام المسائي.
ونسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أسرته وذويه ومحبيه وزملاءه في الوسط الصحفي الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.
د. حماد الرمحي
#بورصة_الصحفيين